فصل: قال البيضاوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال البيضاوي:

{اهدنا الصراط المستقيم} بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا: {اهدنا}. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم. والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير وقوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وارد على التهكم. ومنه الهداية وهوادي الوحش لمقدماتها، والفعل منه هدى، وأصله أن يعدى باللام، أو إلى، فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: {واختار موسى قَوْمَهُ} وهداية الله تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة:
الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال: {وهديناه النجدين} وقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وقوله: {إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هي أَقْوَمِ} الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي، أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: {أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده} وقوله: {والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتبة عليه. فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. والأمر والدعاء يتشاركان لفظًا ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة.
والسراط: من سرط الطعام إذا ابتلعه فكأنه يسرط السابلة، ولذلك سمي لقمًا لأنه يلتقمهم. و: {الصراط} من قلب السين صادًا ليطابق الطاء في الإطباق، وقد يشم الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه. وقرأ ابن كثير برواية قنبل عنه، ورويس عن يعقوب بالأصل، وحمزة بالإشمام، والباقون بالصاد وهو لغة قريش، والثابت في الإمام وجمعه سُرُطْ ككتب وهو كالطريق في التذكير والتأنيث.
و{المستقيم} المستوي والمراد به طريق الحق، وقيل: هو ملة الإسلام. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6].
اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب؛ والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقُرْبك.
قال بعض العلماء: فجعل الله جلّ وعزّ عظم الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به؛ وفي الحديث: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» وقيل المعنى: أرشدنا باستعمال السُّنن في أداء فرائضك؛ وقيل: الأصل فيه الإمالة؛ ومنه قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي مِلْنا؛ وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين، أي يتمايل.
ومنه الهدية؛ لأنها تمال من مِلك إلى مِلك.
ومنه الهَدْيُ للحيوان الذي يساق إلى الحَرَم؛ فالمعنى مِل بقلوبنا إلى الحق.
وقال الفُضيل بن عِيَاض: {الصراط المستقيم} طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى.
قال محمد بن الحنفية في قوله عزّ وجل: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عاصم الأحْوَل عن أبي العالية: {الصراط المستقيم} رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده.
قال عاصم فقلت للحسن: إن أبا العالية يقول: {الصراط المستقيم} رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه، قال: صدق ونصح.
فائدة:
أصل الصراط في كلام العرب الطريق؛ قال عامر بن الطُّفيل:
شحنَّا أرْضَهم بالخَيْل حتى ** تركناهم أَذلّ مِن الصّراط

وقال جَرير:
أمير المؤمنين على صِراط ** إذا اعوج المواردُ مُستقيم

وقال آخر:
فَصَدّ عنْ نَهْج الصِّراطِ الواضِح

وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم؛ قال ابن عطية: وهذا ضعيف جدًّا.
وقرئ: السراط بالسين من الاستراط بمعنى الابتلاع؛ كأن الطريق يسترط مَن يسلكه. وقرئ بين الزاي والصاد. وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل.
وحكى سَلَمَة عن الفرّاء قال: الزراط بإخلاص الزاي لغة لعُذْرة وكَلْب وبنى الْقَيْن، قال: وهؤلاء يقولون في أصدق: أزدق.
وقد قالوا: الأَزْد والأَسْد، ولسق به ولصق به.
و{الصِّراط} نصب على المفعول الثاني؛ لأن الفعل من الهداية يتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف جر؛ قال الله تعالى: {فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} [الصافات: 23].
وبغير حرف كما في هذه الآية.
{المستقيم} صفة ل: {لصراط} وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف؛ ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه} [الأنعام: 153] وأصله مُستقْوِم، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. اهـ.. بتصرف يسير.

.قال أبو حيان:

{اهدنا} الهداية: الإرشاد والدلالة والتقدم ومنه الهوادي أو التبيين،: {وأما ثمود فهديناهم} أو الإلهام: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} قال المفسرون: معناه ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو الدعاء، ولكل قوم هاد أي داع والأصل في هدي أن يصل إلى ثاني معمولة باللام: {يهدي للتي هي أقوم} أو إلى: {لتهدي إلى صراط مستقيم} ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه، ومنه: {اهدنا الصراط} ون ضمير المتكلم ومعه غيره أو معظم نفسه.
ويكون في موضع رفع ونصب وجر.
{الصراط}:
الطريق، وأصله بالسين من السرط، وهو اللقم، ومنه سمي الطريق لقمًا، وبالسين على الأصل قرأ قبل ورويس، وإبدال سينه صادًا هي الفصحى، وهي لغة قريش، وبها قرأ الجمهور، وبها كتبت في الإمام، وزايًا لغة رواها الأصمعي عن أبي عمرو، وأشمامها زايًا لغة قيس، وبه قرأ حمزة بخلاف وتفصيل عن رواته.
وقال أبو علي: وروي عن أبي عمرو، والسين والصاد والمضارعة بين الزاي والصاد، ورواه عنه العريان عن أبي سفيان، وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأها بزاي خالصة.
قال بعض اللغويين: ما حكاه الأصمعي في هذه القراءة خطأ منه إنما سمع أبا عمرو يقرؤها بالمضارعة فتوهمها زايًا، ولم يكن الأصمعي نحويًا فيؤمن على هذا.
وحكى هذا الكلام أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد، وقال أبو جعفر الطوسي في تفسيره، وهو إمام من أئمة الإمامية: الصراط بالصاد لغة قريش، وهي اللغة الجيدة، وعامة العرب يجعلونها سينًا، والزاي لغة لعذرة، وكعب، وبني القين.
وقال أبو بكر بن مجاهد، وهذه القراءة تشير إلى أن قراءة من قرأ بين الزاي والصاد تكلف حرف بين حرفين، وذلك صعب على اللسان، وليس بحرف ينبني عليه الكلام، ولا هو من حروف المعجم.
لست أدفع أنه من كلام فصحاء العرب، إلا أن الصاد أفصح وأوسع، ويذكر ويؤنث، وتذكيره أكثر.
وقال أبو جعفر الطوسي: أهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق، والسبيل والزقاق والسوق، وبنو تميم يذكرون هذا كله ويجمع في الكثرة على سرط، نحو كتاب وكتب، وفي القلة قياسه أسرطه، نحو حمار وأحمره، هذا إذا كان الصراط مذكرًا، وأما إذا أنث فقياسه أفعل نحو ذراع وأذرع وشمال وأشمل.
وقرأ زيد بن علي، والضحاك، ونصر بن علي، عن الحسن: اهدنا صراطًا مستقيمًا، بالتنوين من غير لام التعريف، كقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} {المستقيم} استقام: استفعل بمعنى الفعل المجرد من الزوائد، وهذا أحد معاني استفعل، وهو أن يكون بمعنى الفعل المجرد، وهو قام، والقيام هو الانتصاب والاستواء من غير اعوجاج. اهـ.

.قال أبو السعود:

{اهدنا الصراط المستقيم} إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر، وتعيين لما هو الأهمُ أو بيان لها، كأنه قيل: كيف أُعينكم فقيل: اهدنا.

.تعريف الهداية وأنواعها:

والهدايةُ دلالة بلطفٍ على ما يوصِلُ إلى البُغية، ولذلك اختصّتْ بالخير، وقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِراطِ الجحيم} وارد على نهج التهكّم، والأصلُ تعديتُها بإلى واللام، كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ} فعومل معاملةَ اختارٍ في قوله تعالى: {واختار مُوسَى قَوْمَهُ} وعليه قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وهدايةُ الله تعالى مع تنوعها إلى أنواع لا تكاد تُحصر منحصرة في أجناس مترتبة، منها أنفسية، كإفاضة القُوى الطبيعيةِ والحيوانية التي بها يصدُر عن المرء فاعليته الطبيعية الحيوانية، والقوى المدرِكة، والمشاعرُ الظاهرةُ والباطنة التي بها يتمكن من إقامة مصالِحه المعاشيةِ والمعاديّة، ومنها آفاقية، فإما تكوينية مُعْرِبة عن الحق بلسان الحال، وهي نصبُ الأدلةِ المُودَعةِ في كل فردٍ من أفراد العالم حسبما لُوِّحَ به فيما سلف، وإما تنزيلية مُفْصِحة عن تفاصيل الأحكامِ النظريةِ والعمليةِ بلسان المقالِ، بإرسال الرسل، وإنزال الكتبِ المنطويةِ على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشادُ إلى مسلك الاستدلالِ بتلك الأدلة التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفسية، والتنبيهُ على مكانها، كما أشير إليه مُجملًا في قوله تعالى: {وَفِى الأرض ءايَات لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}.
وفي قوله عز وعلا: {إِنَّ في اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله في السموات والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} ومنها الهدايةُ الخاصة وهي كشفُ الأسرارِ على قلب المهدي بالوحي، أو الإلهام.
ولكل مرتبةٍ من هذه المراتب صاحب ينتحيها، وطالب يستدعيها، والمطلوب إما زيادتُها كما في قوله تعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} وإما الثباتُ عليها كما روي عن علي وأبي رضي الله عنهما: إهدنا ثبّتنا، ولفظ الهداية على الوجه الأخير مَجاز قطعًا، وأما على الأول فإن اعتُبر مفهومُ الزيادة داخلًا في المعنى المستعمل فيه كان مجازًا أيضًا، وإن اعتُبر خارجًا عنه مدلولًا عليه بالقرائنِ كان حقيقة، لأن الهداية الزائدةَ هداية، كما أن العبادة الزائدةَ عبادة، فلا يلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، وقرئ أرشِدْنا، والصراطُ الجادةُ وأصلُه السين، قُلبت صادًا لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر، من سَرَط الشيء إذا ابتلعه، سُمّيت به لأنها تسترِطُ السابلةَ إذا سلكوها، كما سميت لَقْمًا لأنها تلتقمهم وقد تُشَمُّ الصاد صوت الزاي تحريًا للقرب من المبدَل منه. وقد قرئ بهن جميعًا، وفُصحاهن إخلاصُ الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتةُ في الإمام، وجمعه صُرُط ككتاب وكُتب، وهو كالطريق والسبيل في التذكير والتأنيث، و{المستقيمُ} المستوي، والمراد به طريقُ الحق وهي الملة الحنيفية السمْحة المتوسطةُ بين الإفراط والتفريط. اهـ.